الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

262

الأخلاق في القرآن

خطّ السّير والسّلوك إلى اللَّه ، هو في الحقيقة من الطّرق الحياتيّة للوقاية من آفات اللّسان ، لأنّ اللّسان في الحقيقة ، هو المفتاح للعلوم والثّقافة والعقيدة والأخلاق ، وإصلاحه يُعدّ أساساً لِكلّ الإصلاحات الأخلاقيّة في واقع الإنسان ، والعَكس صحيح ، ولأجله فإنّ الحديث عن إصلاح اللّسان ، أوسع منَ مبحث السّكوت وأَشمل . وقد إكتسب مبحث إصلاح اللّسان ، أهميّةً بالغةً في الأبحاث الأخلاقيّة باعتباره ، تُرجمان القلب ورَسول العَقل ، ومفتاح شخصيّة الإنسان ، ونافذة الرّوح على آفاق الواقع . وبعبارةٍ أخرى : إنّ ما يرتسم على صفحات الرّوح والنّفس ، يظهر قبل كلّ شيء على فَلتات اللّسان ، واللّطيف في الأمر أنّ قُدامى الأطباء ، كانوا يُشخّصون المرض ، ويتعرّفون على سلامة الشّخص ومزاجه عن طريق اللّسان ، فَلَم تكن عندهم هذه الإمكانيّات المعقدّة التي بأيدينا اليوم ، فالطّبيب الحاذق ، كان يتحرك في عمليّة تشخيصه ، لأمراض الباطن عن طريق اللسان ، حيث يَنكشِف له من خلال ظاهر اللّسان ولونه ، الأمراض الكامنة في خَبايا جسم صاحبه . وهكذا الحال بالنّسبة لأمراض الرّوح والعقل والأخلاق ، فيمكن للّسان أن يكشف لنا المفاسد الأخلاقيّة ، والسّلبيات النّفسية والتّعقيدات الرّوحية ، التي تعتلج في صدر وروح الإنسان أيضاً . وعليه ، فإنّ علماء الأخلاق يرون ، أنّ همّهم الأول والأخير حفظ وإصلاح اللّسان ، ويعتبرونها خُطوةً مهمّةً ومؤثرةً في طريق التّكامل الرّوحي والأخلاقي ، وقد عكس لنا أميرُ المؤمنين عليه السلام ، ذلك الأمر في حديثه الذي قال فيه : « تَكَلَّمُوا تُعرَفُوا فإنّ المَرءَ مَخبُوءٌ تَحتَ لِسانِهِ » « 1 » . وجاء في حديثٍ آخر ، عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : « لا يَسْتَقِيمُ إِيمانُ عَبدٍ حَتّىْ يَسْتَقِيمَ قَلْبُهَ ولا يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ حَتّى يَستَقِيمَ لِسانْهُ » « 2 » .

--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، الكلمة 392 ، من قصار كلماته عليه السلام . ( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 68 ، ص 287 ، المحجّة البيضاء ، ج 5 ، ص 193 .